نصر حامد أبو زيد

62

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

وإذا كانت هذه الرواية لا تريد إلا أن تؤكد أن « زيد بن عمرو » كان حريصا على اعتزال قومه ومعارضة عاداتهم ومعتقداتهم ومقاطعة أطعمتهم ، فان الخطاب الديني المعاصر يجد فيها اشكالية يحاول أن يحلها . والحقيقة أن الاشكالية التي يسعى الخطاب الديني لحلها في هذه الرواية هي اشكالية من صنعه هو ، تطرحها عليه تصوراته عن « النبوة » ، تلك التصورات التي تعزل الظاهرة عن سياقها التاريخي وتعزل النبي عن ظروف واقعه الموضوعية . وتكون الاشكالية هي : كيف وفق اللّه زيدا إلى ترك أكل ما ذبح على النصب وما لم يذكر اسم اللّه عليه ، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما أثبت اللّه له ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما ، أنه ليس في الحديث حين لقيه ببلدح ، فقدّمت اليه السفرة أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - أكل منها ، وانما في الحديث أن زيدا قال حين قدمت السفرة : لا آكل مما لم يذكر اسم اللّه عليه . الجواب الثاني : أن زيدا انما فعل ذلك برأي رآه ، لا بشرع متقدم ، وانما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة ، لا بتحريم ما ذبح لغير اللّه ، وانما نزل تحريم ذلك في الاسلام ، وبعض الأصوليين يقولون : « الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة » . فان قلنا بهذا وقلنا : إن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - كان يأكل مما ذبح على النصب ، فإنما فعل أمرا مباحا ، وإن كان لا يأكل منها فلا إشكال . وإن قلنا أيضا : انها ليست على الإباحة ولا على التحريم ، وهو الصحيح ، فالذبائح خاصة لها أصل في تحليل الشرع المتقدم كالشاة والبعير ونحو ذلك ، مما أحله اللّه تعالى في دين من كان قبلنا ، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدم ما ابتدعوه ، حتى جاء الاسلام ، وأنزل اللّه سبحانه : « ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه » . ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب عندنا على أصل التحليل بالشرع المتقدم ؟ ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر ، وعبادة الصلبان ، فكذلك كان ما ذبحه أهل الأوثان محلا بالشرع المتقدم ، حتى خصّه القرآن بالتحريم « 1 » . إن المشكلة لا تحلها هذه الافتراضات الكثيرة لأنه ليست هناك مشكلة أصلا . لقد كان « زيد بن عمرو » مبالغا في مفارقة قومه والبحث عن دين إبراهيم ، ومحمد وان كان باحثا أيضا عن دين إبراهيم - دين الحنيفية - لم يكن على مثل تشدد « زيد » وادانته لواقعه ومجتمعه . كان محمد فيما تطرحه السيرة عن شخصيته قبل البعثة وبعدها رجلا سمحا سهل المعاشرة ودودا ، ولم يكن رفضه لقيم الواقع وأعرافه ينعكس على سلوكه الشخصي إزاء الأفراد . وهل كان يمكن لقريش حين اختلفوا حول من ينال شرف وضع الحجر الأسود مكانه عند بناء الكعبة

--> ( 1 ) طه عبد الرؤوف سعد : السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 206 - 207 ، هامش 2 .